حزب الأفالان

الآن حصحص الحق.. الأمين العام لحزب الأفالان، أبو الفضل بعجي، يعترف بأن مآل هذا الأخير إلى التغيير الإجباري أو الدخول إراديا أو غير إرادي إلى متحف التاريخ كرمز لثورة مجيدة شكلت إلى غاية اليوم أحد عناصر القوة الناعمة للجزائر.

في آخر حديث صحفي له مع "الخبر"، الأسبوع الماضي، كشف بعجي عن شعار حملة حزبه في تشريعيات 12 جوان، "نتبدد أو نتجدد"، وهو شعار ينطوي على عدة قراءات، أهمها وأوضحها أن الحزب يسير مباشرة نحو الجدار في استحقاق صعب المنال، فلا إدارة ترعى الحزب العتيد ولا نوعية الترشيحات تثير الاهتمام وتستميل القلوب والعقول.

وما أشبه اليوم بالأمس.. بعد إعلان نتائج انتخابات ديسمبر 1991، خلصت قيادة جبهة التحرير آنذاك برئاسة الراحل عبد الحميد مهري إلى نتيجة مفادها المشاركة في التشريعيات والانطلاق في إصلاح عميق للحزب، من خلال إعادته إلى محضنه الطبيعي: الشعب، بعدما مارست به السلطات المتوالية كل ما "سرّ وضرّ". وجاءت النتائج الأولية للدور الأول (والوحيد) من تلك التشريعيات مروعة. الأفالان في المركز الثالث بـ16 مقعدا فقط، وربما الأبشع من ذلك، هو فشل كبار الشخصيات الأفالانية في الفوز على وجوه من حزبي الفيس المحل والأفافاس.. ووقعت الواقعة بعد ذلك.

وعلى الرغم من إزاحة الراحل مهري، ومجيء بوعلام بن حمودة، فقد عاقب الناخبون الأفالان للمرة الثانية، بعد تشتيت وعائه بين غريمه الأرندي والتيار الإسلامي المعتدل وأحزاب التيار الديمقراطي، قبل أن يستعيد الريادة في تشريعيات 2002 بدعم مباشر من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة معتمدا على علي بن فليس.

وتوالت الانتصارات "المفبركة والمزيفة" بقرار إداري وسياسي معا، إلى غاية انتفاضة 22 فبراير 2019 التي لم تبق ولم تذر لشعار الحزب العتيد أي رمزية، عندما خرج الملايين بصوت واحد "الأفالان، الأرندي.. ديڤاج".

ولعل آخر رصاصة أطلقت في رأس الأفالان، ما صرح به الأمين العام بالنيابة للمنظمة الوطنية للمجاهدين، مهددا باللجوء إلى القضاء لتجريده من تسمية "جبهة التحرير الوطني" وإدخالها إلى المتحف حفاظا على الوجدان الجماهيري المعتز بما قدمته الجبهة للجزائر من 1954 حتى 1962.

وإن سارع بعجي أبو الفضل إلى اتهام دعاة "التجريد" من الشعار الثوري، إلا أنه اعترف وأقام الحجة على نفسه بأن أكد، في مستهل الحملة الانتخابية، بارتكاب القيادات السابقة ما لا يغتفر من فساد وسوء تسيير لمؤسسات الدولة، وتنفيذ سياسات جلبت الفقر واليأس للجزائريين، الذين قد يعاقبون الحزب العتيد بحرمانه من أصواتهم !

إسلاميون متمرسون ومستقلون واثقون

بالمقابل، تؤشر المعاينة الأولية لخطاب التيار الإسلامي إلى أنه يتسابق نحو قصر زيغود يوسف مسلحا "بتراث شعبي إيجابي"، ويتعاطى مع أطروحاته الانتخابية بوعي، لعدة اعتبارات.

أهم هذه الاعتبارات التنظيم الهيكلي لقواعده النضالية، سواء أكان في حركة "حمس" أو "إخوانها المنافسين" في جبهة العدالة والتنمية وحركة البناء الوطني وحركة الإصلاح وحركة النهضة، وهي أحزاب تعتمد بشكل واضح على العنصر الشباني والطلابي والنسائي ولفيف من كبار التجار الموزعين في أنحاء متفرقة من الوطن، وبخاصة في مدن بوابة الصحراء والجهتين الوسطى والشرقية.

أما الاعتبار الثاني المسجل لصالح هذا التيار، فهو تجربته "النافعة" مع التيارين الوطني والديمقراطي (أو اللائكي اليساري)، عبر سنوات التحالف الرئاسي (2003-2012) وسنوات تنسيقية الانتقال الديمقراطي (2012 -2017) التي استعادت حيويتها مع انطلاق الحراك الشعبي ضد العهدة الخامسة، وهي تجارب أكسبت الإسلاميين "مناعة" ضد محاولة الاختراق والاستقطاب رغم محاولات تشويه صورته بالولاء لأطراف إسلامية دولية.

والاعتبار الثالث الذي يدعم هذا التيار، هو تحكمه في وسائط التواصل الاجتماعي والإعلامي الرقمي، حيث نجح في توصيل الرسالة والصورة والصوت بالطريقة المثلى، بدليل أن قادة هذا التيار يحظون بمتابعة مئات الآلاف من رواد مواقع التواصل داخليا وخارجيا.

لكن وبالنظر إلى التجارب السابقة، فقد دأب الإسلاميون على الاكتفاء بدور "الكومبارص" في كل المراحل السالفة، رغم اعتراف مسؤولين كبار في الدولة بأنهم كانوا يمارسون التزوير ضد رموز التيار الإسلامي بأوامر فوقية، وهو ما أكسبهم مع مرور الوقت "ثقة كبيرة في النفس" واستعدادا للتعامل مع كل الظروف.

وعطفا على ذكر "الظروف"، فإن انتخابات برلمان 2021 المسبقة، تعرف معطى جديدا لم يكن أحد يعمل حسابه. وهو إقحام المجتمع المدني والشباب الجامعي والمرأة، المفتقدين للتجربة والحنكة السياسية والانضباط الحزبي في اللعبة، في محاولة لإخراج طبقة سياسية جديدة "مقطوعة" عن الطبقة الحالية المتهالكة سواء عند الوطنيين أو الإسلاميين أو الديمقراطيين.

وتحت مسميات عديدة وبراقة، يبرز المترشحون الأحرار أو المستقلون كقوة مستقبلية قد تهيمن على حصة معتبرة من مقاعد المجلس الشعبي الوطني القادم، مع التسليم بأن مخاوف الطبقة السياسية الحالية في محلها وتنبئ بوقوع زلزال عنيف لا يعرف أحد أضراره على مستقبل الفعل والنضال الحزبي والسياسي، وارتدادته على أداء مؤسسة البرلمان والحكومة وباقي المؤسسات التي تجد نفسها مضطرة للعمل المشترك معهما بحكم الفصل والوصل بين السلطات الثلاث.

السيناريو الوارد

وفي انتظار إفرازات الصندوق يوم 13 جوان، يظل السيناريو المقلق من سيرأس البرلمان ومن سيتولى الحكومة. وبالنظر إلى انفراد دستور 2020 "عالميا" بمادة رئاسة الحكومة أو الوزارة الأولى، فإن التوقعات تشير إلى أن البرلمان المقبل سيكون "فسيفسائيا بامتياز" لا غالب ولا مغلوب فيه، وكل من يشارك من الأحزاب والقوائم المستقلة "الثقيلة" هي من ستجلس على أغلبية المقاعد، وإليها يعود الحق في تشكيل مكتب المجلس القادم والحكومة أيضا.

ودون استباق، فإن التحالفات هي التي ستقرر من يتولى رئاسة المجلس والحكومة، خاصة إذا علم بأن لا أحد من الأحزاب يستطيع إدارة شؤون السلطة التشريعية والحكومة من دون "تنسيقات ومراعاة للتوازنات الراهنة"، تفاديا للسقوط في فخ الانسداد والعودة إلى نقطة الصفر بدل البحث عن حلول سريعة لأزمة متعددة الجوانب ومعقدة سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

قد يهمك ايضاً

رئيس مجلس الأمة الكويتي يرفع الجلسة الخاصة بالاستجوابات لعدم حضور الحكومة

مجلس الأمة الجزائري يشارك في الاجتماع الاستثنائي للجنة شؤون فلسطين بإيران